الـــضـــاد هـــويـــةٌ تـــتـــجـــدد ورســـالـــةٌ لا تـــغـــيـــب

الـــضـــاد هـــويـــةٌ تـــتـــجـــدد ورســـالـــةٌ لا تـــغـــيـــب

في مشهد ثقافي أكاديمي يليق بمكانة اللغة العربية وعمق حضورها الحضاري، أقامت الجامعة الإسلامية بمنيسوتا – المركز الرئيسي، ممثلةً بـقسم اللغة العربية التابع لكلية الآداب والعلوم الإنسانية، حفلًا علميًا وأدبيًا وتكريميًا متميزًا بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية، الموافق الثامن عشر من ديسمبر، بمشاركة نخبة من القيادات الأكاديمية، والقامات اللغوية، والضيوف من داخل الجامعة وخارجها. وجاء الحفل تأكيدًا على أن العربية ليست لغة تراثٍ يُستدعى، بل لغة فكرٍ وهويةٍ ومعرفة، قادرة على الحضور في الفضاء الأكاديمي العالمي، وعلى مواكبة العصر دون أن تفقد أصالتها أو رسالتها وأنها قادرة على أن تكون لغة معرفة وإبداع، لا لغة حنين وذكرى.

  • تقرير/ نادر سعيد

عريف الحفل د. الخطيب: العربية بوصفها حكاية ومسؤولية

استهل الحفل عريفه الدكتور عماد أحمد الخطيب، مدير وحدة المؤتمرات والندوات في الجامعة، بمقدمة تجاوزت حدود التعريف إلى بناء حالة وجدانية متكاملة. لم يقدّم فقرات الحفل بوصفها برنامجًا زمنيًا، بل بوصفها "متوالية أحداث" تختلط فيها مشاعر القلق بالتحدي، والتعب بالرجاء، والعمل بالإيمان العميق بأن العربية تستحق. وكان خطابه أقرب إلى نسيج سردي، يربط بين "أمٍّ عربية" و"صاحبة رسالة"، ويستدعي الذاكرة والرمز، ليضع الحضور منذ اللحظة الأولى في قلب التجربة، لا على هامشها.

القرآن الكريم: اللغة في أسمى تجلياتها

تجلّى المعنى الأول للغة العربية مع تلاوة عطرة من القرآن الكريم، قدّمها الطالب بلال يسري محمد عطية. كانت التلاوة بمثابة تأكيد رمزي أن العربية، قبل أن تكون لغة علم أو أدب، هي وعاء الوحي، وأن سر بقائها واستمرارها إنما يستمد جذوته من هذا الارتباط العميق بالقرآن الكريم.

الجامعة في صورتها المؤسسية: عرض تعريفي بالإنجاز

عُرض بعد ذلك فيديو تعريفي بالجامعة الإسلامية بمنيسوتا المركز الرئيسي، استعرض نظامها الأكاديمي، وبرامجها المتنوعة، وإنجازاتها العلمية، ليضع الاحتفال في سياقه المؤسسي، ويؤكد أن دعم العربية ليس فعلاً احتفاليًا معزولًا، بل خيارًا استراتيجيًا ضمن مشروع علمي متكامل.

كلمة وكيل الجامعة: بالعربية يفهم الدين وتبنى الحضارة

.في غير هذا الموضع تم إفراد خبر خاص بكلمة وكيل الجامعة رئيس المركز الرئيسي معالي الدكتور عمر المقرمي

كلمة نائبة وكيل الجامعة: العربية هوية وعلم وحضارة

ألقت الدكتورة زينب بسيوني، نائبة وكيل الجامعة، كلمة وازنة شكّلت إحدى المحطات المركزية في الحفل، حيث أكدت أن الاحتفاء باليوم العالمي للغة العربية ليس احتفالًا شكليًا، بل وقفة وعي مع لغة تمثل روح الأمة وذاكرتها الحضارية.

وأشادت بالدعم الذي يقدمه رئيس الجامعة البروفيسور وليد المنيسي للغة العربية، مؤكدة أن إيمانه بها نابع من قناعة راسخة بأنها ليست مجرد مادة دراسية، بل ركيزة للعلم وعماد للهوية ووجه للحضارة. كما ثمّنت جهود وكيل الجامعة الدكتور عمر المقرمي في رعاية المنابر العلمية والثقافية التي تُعلي من شأن اللغة وتمنحها بعدها المعرفي الأصيل.

وأكدت الدكتورة زينب أن العربية لغة تأثير وبناء عقل، لغة جمعت بين الجمال والدقة، وبين العلم والبيان، واستطاعت عبر تاريخها أن تكون لغة القرآن والعلم والفلسفة، وأنها ما تزال تمتلك قدرة فريدة على التجدد واستيعاب المصطلح العلمي والتقني دون أن تفقد روحها أو تتنازل عن هويتها.

الشعر صوت الضاد: قصيدة في حب العربية

وشهد الحفل إلقاء قصيدة شعرية في مدح اللغة العربية قدّمتها الطالبة الخنساء، وأضفت على الحفل بعدًا وجدانيًا، معيدة الاعتبار للصوت الشعري بوصفه أحد أصدق المدافعين عن الضاد، ولتؤكد أن الأجيال الجديدة لا تزال قادرة على التعبير عن انتمائها اللغوي بلغةٍ محبةٍ ومؤمنة.

تقديم د. سهير للضيوف: قامتان لغويتان في حضرة الجامعة

قدّمت الأستاذة الدكتورة سهير السيد الخليل ضيوف شرف الحفل، بعد نبذة تعريفية عنها ألقاها عريف الحفل الدكتور عماد الخطيب، وقد كان حضورها وازنًا للخبرة الأكاديمية واللغوية، وهي التي أدارت فقرة الضيوف بوصفها جسرًا بين المنصة والجمهور، وبين الفكر والتلقي؛ حيث رحّبت وعرفت بالقامات العلمية المشاركة، وهما علّامة اللغة البروفيسور بكري محمد الحاج، رئيس مجمع اللغة العربية بالسودان والدكتور خالد بن قاسم بن محمد الجريان، الأستاذ بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، ونائب رئيس مجمع اللغة العربية المكي بالمملكة العربية السعودية. وقد أفردنا لكلمتيهما خبرين منفصلين في غير هذا الموضع.

كلمة عميد الكلية: العربية لغة العلم

من جانبه، أكد الدكتور إسماعيل حامد، عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية، أن الكلية تفخر برعاية هذه الفعالية الثقافية الكبرى من خلال قسم اللغة العربية، الذي وصفه بأنه من أعمدة الكلية الأساسية.

واستعرض د. حامد العمق التاريخي للعربية، مشيرًا إلى أنها كانت لغة العلم التي نهل منها علماء أوروبا في عصورهم المظلمة، مذكرًا بأن أسس العلوم كعلم الاجتماع (ابن خلدون) والطب والفلك .. وُضعت بحروف الضاد، وأكد أن اللغة العربية هي هوية الأمة ورسالتها، وأن الاعتزاز بها هو اعتزاز بالدين والحضارة والتاريخ.

العربية في الصورة: عرض تعريفي بالضاد

تخلل الحفل عرض مرئي تعريفي باللغة العربية، قدّم اللغة في بعدها التاريخي والجمالي والمعرفي، بأسلوب بصري يعزز حضورها في الوعي المعاصر، ويخاطب الأجيال الجديدة بلغة الصورة.

كلمة رئيس القسم: الدفاع عن اللغة دفاع عن الهوية

في كلمته، عبّر المشرف العام على الحفل الدكتور أسامة عبدالرحمن، رئيس قسم اللغة العربية، عن شكره لإدارة الجامعة وضيوفها، مؤكدًا أن العربية لغة حيّة محفوظة بحفظ القرآن، غنية بخصائصها البلاغية والاشتقاقية، وقادرة على مواكبة العصر.

وفنّد د. أسامة دعاوى عدم مواكبة العربية للعصر، متسائلًا بأسى: "ألم تنقل لغتنا العلوم إلى أوروبا؟ ألم تبدأ بها اكتشافات ابن سينا والخوارزمي؟". وحذر من أن التمسك باللغات الأجنبية على حساب العربية هو "أسلوب لا يلجأ إليه إلا من أراد لهذه الأمة التخلف"، داعيًا إلى ترجمة العلوم وتعليمها للأبناء منذ الصغر لتكون لغة إنتاج لا مجرد لغة احتفال.

ودعا الدكتور أسامة إلى استخدام العربية في مختلف مجالات الحياة، ودعا إلى التمسك بالعربية بوصفها أساس الشخصية الوطنية والهوية الحضارية، ودعا إلى الانفتاح على اللغات الأخرى دون التفريط بالجذور، مؤكدًا أن خدمة الأمة تبدأ بخدمة لغتها.

التكريم والعرفان

شهد الحفل فقرة خاصة بتكريم الشخصيات الاعتبارية في الحفل، حيث وزّع رئيس قسم اللغة العربية د. أسامة عبدالرحمن شهادات التقدير على عدد من القيادات الأكاديمية واللغوية المشاركة لإسهاماتهم العلمية والفكرية في خدمة اللغة العربية.

صرخة الحروف: المسرح في خدمة اللغة

واختُتم الحفل بعرض مسرحي درامي متميز بعنوان "صرخة الحروف"، من تأليف وإعداد الدكتورة المبدعة ناديا أبو عودة، تناول العلاقة بين اللغة العربية والذكاء الاصطناعي وصراع الأجيال بين العالمية والهوية، إذ بلغ الحفل ذروته الإبداعية مع هذا العرض الذي كان رمزيًا وجوديًا، ليطرح سؤالًا مصيريًا: كيف تواجه العربية عصر الذكاء الاصطناعي؟

كانت درة تاج الحفل تلك الوقفة المسرحية الرمزية التي صاغتها الدكتورة ناديا أبو عودة باقتدار، وتحدت فيها فواصل الجغرافيا وعوائق الاتصال "عن بُعد". العرض لم يكن مجرد تمثيل، بل كان تجسيدًا دراميًا لصراع الوجود بين "البيانات الضخمة" و"جلال الكلمة".

انطلق العرض بصوتٍ آلي جاف (الرجل الآلي) يزعم أن النجاة في لغة عالمية واحدة، وأن العربية تُبطئ الحضور في مؤشرات التأثير. وفي المقابل، انبعث من بين هالات النور صوتٌ أنثوي رخيم يمثل "اللغة العربية"، يعاتب أبناءه بمرارةٍ أدبية من خلال تساؤلات حافظ إبراهيم التي ساقها شعرًا مؤثرًا على لسان اللغة في وعي مبكر بالتحديات.

تداخلت الأصوات المختلفة المدعومة بالصور الدالة بين صوت جيلٍ قلق، وصوت لغةٍ واثقة رغم الحزن، وصوت ذكاءٍ اصطناعي بارد، وصوت برعمٍ يطالب بالفعل لا الاحتفال. كان المسرح هنا مساحة وعي، لا منصة ترفيه، وصوتًا صريحًا يطالب بأن تعود العربية لغة إنتاج وبحث، لا لغة شعارات موسمية. لتنتهي المسرحية بصوت طفلٍ يطالب بـ "عدلٍ لا مواعظ"، وببناء مكان للعربية في صلب الذكاء الاصطناعي.

وقد نجحت الدكتورة ناديا في تحويل الشاشة الجامدة إلى مسرحٍ ينبض بالوجع والأمل، ونال العرض إعجاب الحضور وثناءهم، لما تميز به من عمق فكري، وبلاغة لغوية، وجرأة في طرح التحديات المعاصرة، وإخراج متميز.

ختام

وفي ختام الحفل، أُعلنت الدكتورة سحر الصمادي رئيسة لجان التحكيم عن نتائج مسابقة منتدى الإبداع بقسم اللغة العربية (أُفردنا لها خبرًا مستقلًا في غير هذا الموضع).

وبذلك أكدت الجامعة الإسلامية بمنيسوتا المركز الرئيسي، من خلال هذا الحفل، أن الاحتفاء باللغة العربية يجب أن يكون مشروعًا أكاديميًا وثقافيًا متواصلًا، يجمع بين الأصالة والتجديد، ويضع الضاد في مكانها الطبيعي: لغة علم، وهوية أمة، ورسالة حضارة.

خرج الحفل بتوصيةٍ صامتة رددتها القلوب: أن العربية ليست يوماً في العام، بل هي نبضٌ في المعمل، وحرفٌ في الحاسوب، وعزٌّ لا يبلى في صدور المؤمنين بها.

واتس آب